{سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ
الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ
إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا
جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ
الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ
نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ
كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى
رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ
حَصِيرًا (8)} [الإسراء
: 1 - 8]
لطالما توقفت عند هذه الآيات مستغربا من
الإنتقال بين قصة الإسراء/المعراج في أولها إلى الحديث عن سيدنا موسى و بني
إسرائيل و تعجبت أيضا من وعد الإفساد و العلو و التدمير مرتين ، ثم بإستدامة النظر
عبر القرآن و التدبر في ترابط آياته خرجت بالرؤية الآتية:
باديء ذي بدء يجب معرفة أن هذه السورة كانت
تعرف في عهد الصحابة و التابعين بـ سورة بني إسرائيل ، ففي صحيح البخاري :" عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قال في بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ
وَطه وَالْأَنْبِيَاءُ : ( هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي)"، و أيضا في الترمذي :" كَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لا يَنَامُ حَتَّى يَقرَأَ بَنِي إِسرَائِيلَ
وَالزُّمَر" (صححه الألباني)، و من المثير
للإنتباه أن أقدم مؤلف في غريب القرآن سنة 120 هـ لأبو الحسن زيد بن علي بن الحسين
بن علي بن أبي طالب لم يذكر قصة الإسراء في تفسير هذه الآية كما ذكرتها كل
التفاسير اللاحقة.
فالسورة إذن تتحدث عن بني
إسرائيل و نبيهم سيدنا موسى، لذا يكون من المتبادر للذهن أن يعود معنى "أسرى
بعبده" لموسى عليه السلام ! و سنرى أن هذا يمنح السياق ترابطا يفتقده إحالة
المعنى هنا للنبي محمد صلى الله عليه و سلم ، فليس في طول السورة أي قرينة أخرى
لإرادة قصة الإسراء و المعراج في هذه السورة، و أحسب أن المسلمين في عهد التدوين
بعد فتح الشام و بناء المسجد الأقصى قد جعلوا هذه الآية علما على قصة الإسراء و
المعراج حتى سميت عليها السورة من دون مستند مأثور.
حسنا ، إن كان العبد في الآية هو موسى عليه السلام الذي ورد ذكره في
الآية التي تليها مباشرة فيبقى إذن تفسير معنى "المسجد الحرام" و
"المسجد الأقصى المبارك حوله" و "الآيات التي رءاها" ؟ يقول الفراء في معاني القرآن حول هذه الآية :" الحَرَم كلّه مَسْجد ، يعنى مَكّة وَحَرمَها"، فالمسجد الحرام إذن هو
مكه و ما حولها. أما المسجد الأقصى فكما يقول الزمخشري في تفسيره :" والمسجد
الأقصى : بيت المقدس ، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد" و بالفعل فالمقصود أرض
مباركة بالشام كما تضافرت على ذلك آيات كثيرة منها :{وَنَجَّيْنَاهُ
وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 71]، فإن
كان الأمر كذلك فماعلاقة سيدنا موسى بالمسجد الحرام؟
الإجابة سنجدها في قصته مع شيخ مدين و مهر الزواج و ما بعد إنقضاء
الأجل : {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ
هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ
أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ
ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ
وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ
مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي
آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
(29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ
الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)} [القصص : 27 - 30]، فذكر الحج الذي يكون في
كل سنة مرة يدل على أن مدين كانت في ضواحي مكة و تؤرخ حياتها اليومية بالحج الذي
صار راتبا من زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، و البيئة الرعوية التي وصفت لمدين
تتماشى مع شبه الجزيرة العربية كما أن القرابة بين موسى ولد يعقوب و شيخ مدين ولد
إسماعيل كما أفترض كانت هي المدخل للتصاهر في زمن لا يتزوج فيه أحد من غير قومه
إلا لماما. و الرحلة التي وصفتها الآية هي خروج سيدنا موسى من مدين "المسجد
الحرام" قاصدا في الأغلب موطن عشيرة جده إبراهيم بالأناضول، فليس من المنطقي
أن يتوجه شطر مصر و هو الذي قال :" {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [الشعراء
: 14]" ، لتكون الآيات هي ما إلتقاه في الأرض المباركة
بالشام "المسجد الأقصى" :
{
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ
آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ
اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
(9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا
وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
(10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
(11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ
إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً
قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) } [النمل : 7 - 13]
{وَهَلْ
أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا
إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى
النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا
رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا
اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ
آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا
يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ
عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)
قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ
يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) } [طه : 9 - 23]
و هكذا تتسق هذه الرؤية مع الآية التاليه
مباشرة بإيتاء موسى عليه السلام الكتاب و تأسيس رسالة بني إسرائيل ثم بيان مصيرهم
عند نكوصهم عنها، و هذا هو موضوع المرتين ! و المفتاح في رأيي هو "وعد
الآخرة" التي تكررت في خواتيم السورة من جديد :
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا
(101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ
مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ
لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا
بِكُمْ لَفِيفًا (104)} [الإسراء : 101 - 104]، فبعد غرق فرعون و جنوده كانت "أولاهما"
قد إنقضت و هي في تصوري كالآتي : بعد دخول أبناء يعقوب لمصر في عهد سيدنا يوسف و
إيتاءه الملك كما تقول سورة يوسف، "
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ
كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ
رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) ... رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي
بِالصَّالِحِينَ (101)" ، تزايدت سلطة "بني إسرائيل" من بعد يوسف في زمن الفترة
الإنتقالية الأولى بمصر (هذا موضوع حلقة منفصلة) و تمكنوا في مصر فكان هذا العلو
الأول ثم جاء الهكسوس (زمن فرعون موسى) في الفترة الإنتقالية الثانية فكانوا
العباد ذوي البأس الشديد الذين جاسوا بعربات خيولهم الحربية المتطورة ليحكموا
الدلتا و يضطهدوا المصريين من أصل إسرائيلي بعد أن تحالفوا معهم باديء الأمر
لتشابه الإصول السامية البعيدة (هذا موضوع حلقة أخرى) فيكون هذا هو المرة الأولى التي
وصفها القرآن الكريم : {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ
مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ
عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ
أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)} [القصص : 1 - 6]، ثم كان العلو بعد تغلب جالوت على طالوت و إنشائهم
لدولتهم الموحدة في الشام لينتهي بهم الأمر من جديد عندما عبدوا آلهة جيرانهم من
الساميين ليدمروهم آخر المطاف حينما فسدوا و إنقسموا لينتهوا كسبي بابلي
"جئنا بكم لفيفا"، و هذه المرة الآخرة أو الثانية بالآية.
تبقى أن نقرأ آية :"
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ
عَبْدًا شَكُورًا"
في سياقها لا كوصف لبني إسرائيل بل كوصف للأمم التي إتخذها الإسرائيليون وكيلا من
دون الله فحق عليهم العذاب ! فكما تقول الآية :" {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ
مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ
ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}[هود : 48] ، فليس من الممكن أن يكون بني إسرائيل من ذرية
ممن حمل مع نوح لأنهم ذرية نوح أبناء إبراهيم عليهما السلام : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ
عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
(34)} [آل عمران : 33 - 34]، و فرعون موسى و قومه من
الساميين كما أسلفت و هم من ذرية من حمل مع نوح من الأمم ، لذا يستقيم تماما خطاب
فرد منهم معهم بتراث الساميين لا بتراث المصريين : {وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ
مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ
رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ
وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ
الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا
قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ
بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا
أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي
أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا
لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ
تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ
مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى
إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ
يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34)} [غافر
: 28 - 34]، و كذلك الأشوريين و البابليون الذين أخضعوا الإسرائيليين آخر الأمر من
الساميين و كان التآمر معهم ضد بعضهم البعض هو الشرارة التي قضت عليهم فعلا آخر
الأمر، و الله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق