{أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي
وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ
الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[البقرة : 258]
في التراث التقليدي فإن من حاجه سيدنا إبراهيم
عليه السلام هو ملك في العراق إسمه النمرود [1] ، نقرأ في تفسير الطبري [2] :
"عبد الرزاق قال : ثنا معمر عن الكلبي وقتادة
في قوله : { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } قالا : هو جبار اسمه نمرود ،
وهو أول من تجبر في الأرض ، فحاج إبراهيم في ربه أن آتاه الملك ، أي أن آتى الله
الجبار الملك ، { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } فقال ذلك الجبار ، فأنا
أحيي وأميت ، يقول : أنا أقتل من شئت وأحيي من شئت .
عبد الرزاق قال : ثنا معمر عن زيد بن أسلم أن أول جبار كان في الأرض نمرود ، قال : وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام ، فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار ، قال : فإذا مر به الناس قال : من ربكم ؟ قالوا : أنت حتى مر به إبراهيم ، قال : من ربك ؟ قال : { الذي يحيي ويميت } قال : أنا أحيي وأميت ، قال إبراهيم : { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } قال : فرده بغير طعام"
عبد الرزاق قال : ثنا معمر عن زيد بن أسلم أن أول جبار كان في الأرض نمرود ، قال : وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام ، فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار ، قال : فإذا مر به الناس قال : من ربكم ؟ قالوا : أنت حتى مر به إبراهيم ، قال : من ربك ؟ قال : { الذي يحيي ويميت } قال : أنا أحيي وأميت ، قال إبراهيم : { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } قال : فرده بغير طعام"
هذه الرواية تعاني من
مشاكل عديدة فبالإضافة لعدم ورود إسم نمرود بالقرآن الكريم أو بالأثر النبوي فإن
إسم النمرود لم يرد إلا في التفسير اليهودي [3]
للتوراة Midrash Rabba ومن
ناحية أخرى فإسم نمرود غاب كذلك عن لوائح ملوك العراق القديم تماما [4].
الشيء الغريب الآخر هو وجه إحتجاج سيدنا
إبراهيم عليه السلام على خصمه، فلم إختار الشمس تحديدا و لِمَ لَمْ يرد الخصم بأن
فليفعل ربك أنت ذلك بدلا من أن يبهت! كما أن هناك نقطة هامة هي التعبير القرآني
:"أن أتاه الله الملك" فلم يصفه بالملك مباشرة بل بأن له ملكا فقط، فما
السر في ذلك؟
لجواب هذه الأسئلة علينا
ملاحظة شيء ورد برواية الطبري حول أن سيدنا إبراهيم إلتقى الملك في معرض طلبه
للميرة، هذا يذكر بقصة سيدنا يوسف و إخوته : :
{وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ
قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا
وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ
كَيْلٌ يَسِيرٌ}[يوسف : 65]، فمنذ القدم كانت الدولة المصرية هي ما يقصد في
المجاعات لسكان المنطقة، و التوراة تذكر أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد دخل مصرا
و قابل فرعونها بينما لم يذكر القرآن الكريم هذه الجزئية على إعتنائه بقصة سيدنا
إبراهيم أو هكذا كنت أظن نزولا على التفسير المتوارث للآيات.
فإذا نسجنا هذه الملاحظات معا فسنتوصل للآتي :
دخل سيدنا إبراهيم عليه السلام مصر في زمن
الدولة القديمة التي كان فراعينها يدعون بأنهم يحكمون بإسم رع إله الشمس و أعتقد
أنه كان بيبي الثاني [5] الملقب بروح الشمس Neferkare ، لذا جاء وصفه "أن أتاه الله الملك"
كقول فرعون في آية أخرى : {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ
لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ}[الزخرف
: 51]، فالفرعون في مصر القديمة كان ينظر
له كتجلي للإله و مسيطرا على قوى الطبيعة، و كان هذا هو من حاج إبراهيم في ربه ، و
ربما تم ذلك اللقاء لإشتهار قصة نجاته من النار و عدائه لملوك العراق الخصم
السياسي آنذاك لفراعين مصر. هذا يفسر لم بهت الفرعون لأنه كان يلقب بروح
الشمس أي أنه تجلي لقرص الشمس المضيء الذي هو إله بديانتهم لذا فيتوقع منه أن
يأتي من المغرب بلا مثيل !!
أما عن تحديد هذا الملك تحديدا فسأوضحه في الحلقات القادمة بإذن الله
و الله أعلم
المراجع:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق