الجمعة، 15 مايو 2015

حول سيدنا إبراهيم عليه السلام (2)

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) "سورة الأنعام"

إستوقفتني عدة تساؤلات و أنا أتأمل هذه الآيات و أعتقد أنها قد راودت الناس منذ القدم إذ أجد في الرواية الآتية بالطبري محاولة لإجابة بعضها :

" أتى أصحابُ النجوم نمرودَ فقالوا له: تَعَلَّمْ، أنّا نجد في عِلْمنا أن غلامًا يولد في قريتك هذه يقال له"إبراهيم"، يفارق دينكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحابُ النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده = إلا ما كان من أمّ إبراهيم امرأة آزر، فإنه لم يعلم بحبَلها، وذلك أنها كانت امرأة حَدَثة، فيما يذكر، لم تعرف الحبَل في بطنها، ولِمَا أرادَ الله أن يبلغ بولدها،  يريدُ أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة، حذرًا على ملكه. فجعلَ لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة، إلا أمر به فذبح. فلما وجدت أم إبراهيم الطَّلقَ خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصْنع بالمولود، ثم سَدّت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة فتنظر ما فعل، فتجده حيًّا يمصّ إبهامه، يزعمون، والله أعلم، أن الله جعل رزق إبراهيم فيها وما يجيئه من مصّه. وكان آزر، فيما يزعمون، سأل أمّ إبراهيم عن حمْلها ما فعل، فقالت: ولدت غلامًا فمات! فصدّقها، فسكت عنها. وكان اليوم، فيما يذكرون، على إبراهيم في الشَّباب كالشهر، والشهر كالسنة. فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر! فأخرجته عِشاء فنظر، وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال:"إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربّي، ما لي إله غيره"! ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا، قال:"هذا ربي"، ثم اتّبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب، فلما أفل قال:"لا أحب الآفلين"، ثم طلع القمر فرآه بازغًا، قال:"هذا ربي"، ثم اتّبعه ببصره حتى غاب، فلما أفل قال:"لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين"! فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس، أعظَمَ الشمسَ،  ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كل شيء رآه قبل ذلك، فقال:"هذا ربي، هذا أكبر"! فلما أفلت قال:"يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين""

فالتساؤل البديهي الذي تحاول هذه الرواية الإجابة عليه هو: ألم ير سيدنا إبراهيم إفول الكوكب و القمر و الشمس يوميا طيلة حياته حتى صار فتى {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}[الأنبياء : 60] فلم يستغرب غيابهم إذن ؟ و أضيف لذلك تساؤلا آخر حول مغزى إختيار هذه الظواهر الطبيعية الثلاث بالذات و الإنتقال منها للمتعال دون ذكر غيرها ثم ترتيبها بهذا التسلسل بالذات ؟ لمحاولة الإجابة أود الإستطراد في تفصيل آخر في حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام، و لنتأمل هذه الآيات إذن :

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}[الأنعام : 74]
{قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}[مريم : 47]
{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}[التوبة : 114]
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) }[سورة إبراهيم ]

فيبدو أن آزر هو عم إبراهيم أو جده فالأب في العربية تشملهما ، لأن إستغفار إبراهيم في الكبر لوالديه لا يجب أن يشمل آزر الذي سبق و تبرأ منه قبل إعتزاله لقومه كما وضح في سياق آيات سورة مريم.

و لأحاول الآن رسم السيناريو الذي يحاول الإجابة :
كان قوم سيدنا إبراهيم في منطقة العراق القديم (في رأيي في أرميينيا الحالية) يعبدون الثالوث المقدس (كوكب الزهرة/القمر/الشمس) و قد فقد الفتى إبراهيم والديه و كفله عمه أو جده مما جعل له حساسية حول المعنى و المصير مما جعله ينخرط في عبادة عشتار أو كوكب الزهرة لكونه إله الإمومه و الحياة عند قومه. ثم في يوم ما أثناء مناجاته للكوكب فوجيء لأول مرة بظاهرة فلكية قد تكون تغطية القمر للزهرة أو كسوفها مما أدهشه و جعله يقرر عبادة الإله الآخر لدى قومه القمر ،ثم يرى خسوفه فيلجأ للشمس التي تكسف عن قريب أيضا فيبطل لديه كل الثالوث المقدس و يحقق القفزة من المحسوس للمجرد فهو لا يعرف آلهة أخرى غير هذه الثلاثة !

بدأت ذات مرة في بحث فلكي لأرى إن كانت 3 أحداث متقاربة كهذه قد حدثت من قبل بحيث تُرى من منطقة الأناضول و العراق في الزمان القديم بحيث تحقق 3 شروط: ألا تكون أيا منها قد كان مرئيا لعدة سنوات على الأقل من المنطقة (فلا يعرفهم إبراهيم حتى يصير فتى) و أن يحدثا بهذا التتابع و أن يكونا قد تتابعوا سريعا و قد وجدت فعلا مرشحا جيدا يجعل من سيدنا إبراهيم معاصرا لبيبي الثاني فرعون مصر! لكني لم أكمل البحث و لعل غيري ينشط ليختبر فرضيتي هذه فيحدد عبرها إن صحت مكان و زمان سيدنا إبراهيم عليه السلام بشكل أكثر دقة.

هذا كان تأويلي للآية الكريمة و سنرى في الحلقة القادمة كيف أن هذا التأريخ يتسق مع قصة حفيده سيدنا يوسف عليه السلام بمصر زمن الجفاف العالمي ! و الله أعلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون