الأحد، 20 يوليو 2014

لا عدوى .. هل فعلا نفى الرسول الكريم حصول العدوى ؟

    غصت في تمرين فكري ممتع بين جنبات التاريخ محاولا إعادة تركيب Reconstruction سيناريو معقول يفسر التناقضات بين الروايات و إختيارات جامعي الحديث و التبريرات المختلفة لكل تلك الشبكة المعقدة من الإخباريات !! من الصعب أن أوثق لكل منعرجات ما فحصته من روايات و لكن علي القول بأنني راجعت كل سلاسل الإسناد لحديث "لا عدوى" و قارنتها مع بعضها بطريقتين : تاريخ تسجيل كل رواية بكتب الحديث و مسارها عبر الزمن ، مقارنة الرواة و نسختهم من الرواية كذلك. تكونت لدي بعض الفرضيات و عملت جاهدا ــــــ على عجالة ــــــ على تنقيحها لكي أصوغ سيناريو مبدئي يصلح كتفسير لما قد يكون جرى من أحداث في ذلك الزمان السحيق !! بداية أقول بأن عدد الروايات أو الأسانيد المختلفة لهذا الحديث و شواهده و توابعه بلغت 582 سندا !! منها 199 سندا صحيحا (بمنهج المحدثين بالطبع)، 206 حسن، 144 ضعيف، 16 شديد الضعف، 7 متهم بالوضع، 10 موضوع. توزعت متون هذه الأسانيد بين تنويعات مختلفة على 3 متون أساسية :
    " لا عدوى و لا طيرة و لا هامة و لا صفر و لا غول"
    "إنما الشؤم في ثلاث: المرأة و الفرس و الدار"
    "أجرب بعير فأجرب مئة، فمن أعدى الأول؟!"
     (لهذا الأخير صيغ طويلة بها سؤال لإعرابي)

    بما أن موضوعنا الآن في مسألة العدوى فسأوثق فقط كمدخل ما توصلت إليه في حديث (الشؤم) دون أن أقوم بالشرح التفصيلي لـ كيف توصلت لهذه الخلاصة، و هذه صياغة له ذات تعلق بموضوعنا:
    لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ "
    ( في صحيح البخاري ،عن أبناء عبدالله عن عمر)
    يقول العسقلاني في فتح الباري:
    Quote: 
    وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ قِيلَ لِعَائِشَةَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فَقَالَتْ لَمْ يَحْفَظْ إِنَّهُ دَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ يَقُولُونَ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فَسَمِعَ آخِرَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهُ قُلْتُ وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ فَهُوَ مُنْقَطع لَكِن روى أَحْمد وبن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الطِّيرَةُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ فَغَضِبَتْ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَتْ مَا قَالَهُ وَإِنَّمَا قَالَ إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ

    و أنا أنحاز لهذا الرأي و يعززه عندي ما جاء في الحديث الحسن في المعجم الأوسط للطبراني عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ (ص) فَقَالُوا: فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّابَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (ص)" إِنْ كَانَ مِنْهَا شَيْءٌ فَفِي الْفَأْلِ ". و لننتقل الآن لفك الإرتباط بين رواية "لا عدوى" و رواية " الشؤم" و ليكن المدخل هو أول ظهور تاريخي لأحد المتون في المسند الجامع لمحمد بن راشد (المتوفي عام 154 هـ) على هذا النحو:
    عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: " لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: " الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ "
    الحديث إسناده متصل ، رجاله ثقات ، رجاله رجال الشيخين
    هذا الحديث (الصحيح) يستعيد المعنى العام في حديث الطبراني أعلاه و تذكر فيه الكلمات المفتاحية "الطيرة، الفأل" و يمكننا بسهولة رؤية كيف تحولت الطيرة لـ "الشؤم" بسهولة في الحديث الذي إنتقدته السيدة عائشة و الذي لقى رواجا لا مثيل له بكتب الحديث ! و سنرى كم التحورات التي تواصلت في هذه المجموعة من الأحاديث بشكل يدير الرأس !!

    إذن ..
    فلماذا جاءت لفظة "لا عدوى" بمتن البخاري إن صح إستنتاجي في أصل حديث "الشؤم" ؟
    لنجيب عن هذا السؤال علينا إستعادة نص قديم بمسند الحميدي يذكر حادثة تاريخية كالآتي:
    حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: " اشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَرِيكٍ لَنَوَّاسٍ إِبِلا هِيمًا، فَلَمَّا جَاءَ نَوَّاسٌ، قَالَ لِشَرِيكِهِ: مِمَّنْ بِعْتَهَا، فَوَصَفَ لَهُ صِفَةَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَى نَوَّاسٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: أَنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلا هِيمًا، وَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْكَ، قَالَ: خُذْهَا إِذَا، فَلَمَّا ذَهَبَ لأَخْذِهَا، قَالَ: دَعْهَا، رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) لا عَدْوَى ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: وَكَانَ نَوَّاسٌ يُجَالِسُ ابْنَ عُمَرَ، وَكَانَ يُضْحِكُهُ، فَقَالَ يَوْمًا: وَدِدْتُ أَنَّ لِي أَبَا قُبَيْسٍ ذَهَبًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَمُوتُ عَلَيْهِ، فَضَحِكَ ابْنُ عُمَرَ
    ملحوظات:
    -الراوي: الحميدي (وفاة 219 هـ ،ولد بمكة، ، كان شيخ البخاري و تتلمذ على يد الشافعي بمصر)
    -الحديث إسناده متصل ، رجاله ثقات ، رجاله رجال البخاري و أخرجه البخاري في صحيحه
    - وردت الرواية أيضا بأسانيد مختلفة في "السنن الكبرى للبيهقي"،"تهذيب الآثار للطبري" ، "مسند أبي يعلى الموصلي"
    فما معنى ما دار بين عبدالله بن عمر و نواس ؟ أورد هذا النص الشارح من فتح الباري للتوضيح:
    Quote: 
    (قَوْلُهُ بَابُ الْأَسْوَاقِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فتبايع بهَا النَّاس فِي الْإِسْلَام)
    [2099] قَوْلُهُ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ قَوْلُهُ إِبِلًا هيما فِي رِوَايَة بن أَبِي عُمَرَ هِيَامًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ قَوْلُهُ وَلَمْ يَعْرِفْكَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْرِيفِ قَوْلُهُ فَاسْتَقِهَا بِالْمُهْمَلَةِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الِاسْتِيَاقِ وَالْقَائِل هُوَ بن عمر وَالْمقول لَهُ نواس وَفِي رِوَايَة بن أَبِي عُمَرَ قَالَ فَاسْتَقِهَا إِذًا أَيْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَارْتَجِعْهَا قَوْلُهُ فَقَالَ دعها الْقَائِل هُوَ بن عُمَرَ وَكَأَنَّ نَوَّاسًا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَاسْتَدْرَكَ بن عُمَرَ فَقَالَ دَعْهَا قَوْلُهُ رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ رَضِيتُ بِحُكْمِهِ حَيْثُ حَكَمَ أَلَّا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وعَلى التَّأْوِيل الَّذِي اخْتَارَهُ بن التِّين يصير الحَدِيث مَوْقُوفا من كَلَام بن أَبِي عُمَرَ وَعَلَى الَّذِي اخْتَرْتُهُ جَرَى الْحَمِيدِيُّ فِي جَمْعِهِ فَأَوْرَدَ هَذِهِ الطَّرِيقَ عَقِبَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا مَرْفُوعًا لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ كَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الشَّيْءِ الْمَعِيبِ إِذَا بَيَّنَهُ الْبَائِعُ وَرَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ بَيَّنَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ لَكِنْ إِذَا أَخَّرَ بَيَانَهُ عَنِ الْعَقْدِ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَفِيهِ اشْتِرَاءُ الْكَبِيرِ حَاجَتَهُ بِنَفْسِهِ وَتَوَقِّي ظُلْمِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي آخِرِ الحَدِيث قصَّة قَالَ وَكَانَ نواس يُجَالس بن عُمَرَ وَكَانَ يُضْحِكُهُ فَقَالَ يَوْمًا وَدِدْتَ أَنَّ لي أَبَا قبيس ذَهَبا فَقَالَ لَهُ بن عُمَرَ مَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَمُوتُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَا عَدْوَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْرِفُ لِلْعَدْوَى هُنَا مَعْنَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْهُيَامُ دَاءً مِنْ شَأْنِهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ بِهِ إِذَا رَعَى مَعَ الْإِبِلِ حَصَلَ لَهَا مِثْلُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَهَا مَعْنًى ظَاهِرٌ أَيْ رَضِيتُ بِهَذَا الْبَيْعِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْعَيْبِ وَلَا أُعَدِّي عَلَى الْبَائِعِ حَاكِمًا وَاخْتَارَ هَذَا التَّأْوِيل بن التِّينِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا عَدْوَى النَّهْيُ عَنِ الِاعْتِدَاءِ وَالظُّلْمِ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْهِجْرِيُّ فِي النَّوَادِرِ الْهُيَامُ دَاءٌ مِنْ أَدْوَاءِ الْإِبِلِ يَحْدُثُ عَنْ شُرْبِ الْمَاءِ النَّجْلِ إِذَا كَثُرَ طُحْلُبُهُ وَمِنْ عَلَامَةِ حُدُوثِهِ إِقْبَالُ الْبَعِيرِ عَلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَى أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَبَدَنُهُ يَنْقُصُ كَالذَّائِبِ فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُهُ اسْتِبَانَةَ أَمْرِهِ اسْتَبَانَ لَهُ فَإِنْ وَجَدَ رِيحَهُ مِثْلَ رِيحِ الْخَمِيرَةِ فَهُوَ أَهْيَمُ فَمَنْ شَمَّ مِنْ بَوْلِهِ أَوْ بَعْرِهِ أَصَابَهُ الْهُيَامُ اه وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ عَلَى الْخَطَّابِيِّ وَأَبَدَاهُ احْتِمَالًا وَبِهِ يَتَّضِحُ صِحَّةُ عِطْفِ الْبُخَارِيِّ الْأَجْرَبَ عَلَى الْهِيمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي دَعْوَى الْعَدْوَى وَمِمَّا يُقَوِّيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ وَيَكُونُ قَول بن عُمَرَ لَا عَدْوَى تَفْسِيرًا لِلْقَضَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ

    فالقصة إذن تتعلق ببيع إبل بها عيب (جرب/هيم) و إشفاق نواس من خديعة الصحابي ابن عمر الذي غير رأيه في إرجاعها له معللا ذلك بحديث رفعه إلى الرسول الكريم يقول :"لا عدوى". و الملاحظ أن هناك إختلافا في تفسير معنى إستدراك ابن عمر على معنيين : لا عدوى بمعنى لا ظلم، فهو قد رضى بالبيع و لم يسأل أو يدقق في الإبل فالبيع صحيح، و المعنى الآخر الذي إختاره صاحب كتاب فتح الباري هو نفي العدوى، بمعنى أن هذا الداء في الإبل لن يعديه هو لإنعدام العدوى !! و هنا علينا التوقف لنسأل عن مفهوم العدوى و هل حقا كان توجيه الرسول الكريم دوما هو ألا عدوى و أن لا شيء يعدي شيئا ؟ لاحظوا أيضا تمسك ابن حجر بذكر "لا طيرة" في شرحه (رغم خلو الحديث عن هذا اللفظ) !!
    الثابت أن هناك أحاديث صحيحة تثبت العدوى منها في الصحيحين :
    "لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ "
    " إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا "
    " كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ (ص) إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ "
    "وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ "

    كما أن ملاحظة العدوى كانت شائعه و بديهية آنذاك رغما عن غياب المفهوم الحديث للكائنات الدقيقة المعدية، فالأمر لا يحتاج لكثير ذكاء لإثبات فعل العدوى بتلك البيئة !! فما السر إذن؟؟

    السر في ذلك كما أرى هو في الصراعات المذهبية التي حفل بها القرن الثاني و الثالث الهجريين بالتحديد في موضوع أفعال العباد و خلقها، ذلك النقاش الذي قدحه الإستئثار الأموي بالسلطة و تكاثر الفرق حسب إجاباتها المختلفة على سؤال علاقة فعل المخلوق و فعل الخالق ما بين مرجئة و قدريين و أشاعرة و غيرهم. كما أن تلك الفترة شهدت تكاثر الوضع في الحديث لنصرة المذهب و التعبد بذلك حتى قامت الحوجه للتدقيق الحديثي الذي أتي لاحقا كنتيجة طبيعية لذلك ..
    أما عن سبب إشارتي لهذه الديناميكية فسيفسره الحديث الآتي :
    "عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ بَعْضِ، أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) " لا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا "، فَقَالُ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ النُّقْبَةَ لَتَكُونُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ أَوْ بِذَنَبِهِ فَتَكُونُ فِي الإِبِلِ الْعَظِيمَةِ فَتَجْرَبُ مِنْ عِنْدِ آخِرِهَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : " فَمَنْ أَجْرَبَ الأَوَّلَ؟ " ثُمَّ قَالَ: " لا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ، خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ، وَكَتَبَ حَيَاتَهَا، وَمُصِيبَتَهَا، وَرِزْقَهَا "
    هذا الحديث يضج بالصناعة !! فتقرير ألا شيء يعدي شيئا يصادم البداهة لذا جاء الإعتراض على لسان إعرابي (لإلجام الخصوم بالطبع بتشبيههم بالإعرابي) ليكون رد الرسول الكريم فلسفيا بإمتياز بالإحالة إلى "الدور الفلسفي" أو بالمصطلح الفلسفي infinite regress و هو تسلسل الأسباب إلى ما لا نهاية كإفحام لتبرير السبب المباشر. فالحديث إذن لا يقصد منه نفي العدوى بين بعير و آخر بل هو في بيان أن العدوى إنما تتم بسبب آخر غير طبيعي و هذا يذكرنا بنظرية الأشاعرة في "الكسب" حيث يقولون بأن الله سبحانه و تعالى يخلق الفعل عند وقوع السبب أو عند نية العبد و هذا بالضبط ما يقوله هذا الحديث المفترى !! من ناحية أخرى فشرح الحديث عند ابن حجر في فتح الباري و عند البيهقي في الآداب يستعيد النقاش الفلسفي غير المفكر فيه زمن النبوة كما يبين هذا النص للبيهقي:
    (342)- [575] وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، [ ج 1 : ص 271 ] حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : " لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَّ "، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِئُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا، قَالَ: " فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟ ". قَالَ الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الإِعْدَاءِ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، أَلا تَرَاهُ أَجَابَ بِأَنْ قَالَ: فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟ يَعْنِي الَّذِي أَعْدَى الأَوَّلَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ مُخَالَطَةَ الأَجْرَبِ غَيْرَ الأَجْرَبِ سَبَبًا لِجَرَبِهِ، فَالْفِعْلُ لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ تَكُونُ الْمُخَالَطَةُ لَهُ سَبَبًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ (ص) وَاللَّهُ أَعْلَمُ: [ ج 1 : ص 272 ] " لا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ "
    و عودة للحديث فالشاهد أن حديث أبوزرعه أعلاه قد ورد بـ "مشيخة إبن طهمان" المتوفي عام 163 هـ و قد كان هذا أول ظهور تاريخي لهذا النص المتعلق بسؤال الإعرابي بتقريره أن "لا عدوى" تعني نفي العدوى المعروفه !! و الشاهد أيضا أن هذا الحديث "منقطع" أورده ابن زرعه عن "مجهول" عن الصحابي ابن مسعود !! و مما يعضد فرضيتي هذه هو ظهور أحاديث أخرى في نفس الفترة تضاد حديث الفرار من الجذام :" بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا أَجْذَمَ أَتَى النَّبِيَّ (ص) كَأَنَّهُ سَائِلٌ، فَلَمْ يُعْجِلْهُ النَّبِيُّ (ص) وجَهَّزَهُ، وَقَالَ النَّبِيُّ (ص) : " لا عَدْوَى " (الجامع لمعمر بن راشد )،الحديث منقطع (به إسم مبهم)" ! و عدم وجود حديث يضاد حديث الطاعون نتج من أن مناسبة الحديث كانت في فتوحات المسلمين و القصة عن عمر بن الخطاب و الرواية عن عبدالرحمن بن عوف و حضرها العديد من الصحابة لذا كان من الصعب تزويرها !!
    فإذا تتبعنا هذا الحديث المبهم المصنوع بكل تفريعاته في كل أسانيده المعروفة محاولين معرفة من المسئول تاريخيا عن إنتشار صياغاته المختلفة، فسنجد الآتي:
    الحديث بصيغة سؤال الإعرابي و تقرير عدم العدوى روي عن أبوهريرة عبر الرواة الآتيين:
    أبوزرعه (أول من ظهر الحديث عن طريق روايته المجهولة) و له 9 أسانيد ترجع له
    الزهري عن أبوسلمة (29 سندا) و الزهري عن سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ (7 أسانيد)
    ثم نجد للغرابة أن هناك روايات أخرى عن أبوهريرة ليس بها ذكر لقصة الإعرابي !!
    - رواية لـ سعيد بن ميناء تقول:
    " لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، وَلا هَامَةَ، وَلا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ ". صحيح السنة للبغوي
    - رواية لـ محمد بن سيرين (لها 9 أسانيد) تقول :
    " لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل "
    - رواية لـ مضارب بن حزن (لها 10 أسانيد) تقول:
    " لا عَدْوَى، وَلا هَامَةَ، وَخَيْرُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ، وَالْعَيْنُ حَقٌّ "
    - رواية لـ الزهري عن عبيدالله بن عبدالله (13 سند) و الزهري عن حميد بن عبدالرحمن (3 أسانيد) تقول:
    " لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: " الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ "
    إنتهت الروايات عن أبوهريرة
    و نلاحظ هنا أن الروايات الموثقة تاريخيا عن أبوهريرة تتشارك في الكلمات المفتاحية "الطيرة،الفأل"، و أن تحديثه بقصة الإعرابي ثابت عبر 3 شهود (أبوسلمة و سنان و أبوزرعه)، و أن "لا عدوى" تمثل مرحلة إنتقالية بين رواية الإعرابي و روايات "لا طيرة و الفأل"، و أخيرا أن الزهري (محمد بن شهاب) هو عنصر أساسي في الروايات المختلفة !!
    و لتتضح الصورة أكثر و لنمتن إستنتاجي نواصل عرض الروايات عن صحابة آخرين غير أبي هريرة:
    - الزهري عن إبني عبدالله بن عمر عن أبيهما(42 سندا)روايات تتراوح بين
    "لا عدوى"
    "" لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاثَةٍ: الْمَرْأَةُ وَالْفَرَسُ، وَالدَّارُ "
    " لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ "
    " لا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلاثٍ: فِي الْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ، وَالْفَرَسِ "
    " لا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ "
    الزهري عن السلب بن يزيد )7 أسانيد( :" لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَّةَ "
    (ماعدا رواية واحدة ذكرت به قصة الإعرابي)
    - قتادة عن أنس بن مالك (48 سندا) :
    " لَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالَ: وَالْفَأْلُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ الطَّيِّبَةُ "
    (بعضها به إضافة "لا عدوى")
    و بهذا يتضح أن الزهري هو المسئول عن إنتشار قصة الإعرابي و "لا عدوى" بينما تغلب على بقية الروايات الرواية المفتاحية عن الطيرة و الفأل الحسن !!

    بهذا سيتضح لنا إختيار البخاري إيراد الرواية التالية في صحيحه رغم تناقضها :
    "(5355)- [5771] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (ص) : " لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ "، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ، فَيُجْرِبُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : " فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ "، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ، قَالَ النَّبِيُّ (ص) : " لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ "، وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الْأَوَّلِ، قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ"
    فأبو سلمة هو أكثر من روى عنه الزهري قصة الإعرابي (29 سندا متفرعا عنهما) لذا غضب حين تراجع أبوهريرة عن روايته، و مما يثبت رواية أبوهريرة للحديث ما ورد في صحيح مسلم أيضا:
    (4124)- [2222] وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ [ ج 14 : ص 215 ] رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَال: " لَا عَدْوَى "، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: " لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ "، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ: لَا عَدْوَى، وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصح، قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ، كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : " لَا عَدْوَى "، فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ، وَقَالَ: " لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ "، فَمَا رَآهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ، فَقَالَ لِلْحَارِثِ: أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ؟، قَالَ: لَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ أَبَيْتُ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) [ ج 14 : ص 216 ] قَالَ: " لَا عَدْوَى "، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ.حدثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: " لَا عَدْوَى " وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ " لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ " بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، حَدَّثَنَاه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ
    و إيراد البخاري لهذه الرواية التي يعترض فيها أبو سلمة على أبوهريرة دون أن يثبت الرواية الأخرى التي أوردها مسلم في صحيحه (و التي لم يرد فيها إعتراض أبي سلمة) بالصيغة الآتية:
    "(4123)- [2222] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَي، وَاللَّفْظُ لِأَبِي الطَّاهِرِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : " لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ "، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا، قَال: " فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ ". هذا الإيراد يتضح معناه حين نستعرض بقية الروايات التي إختارها البخاري في صحيحه من الشواهد:
    (5341)- [5755] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (ص) : " لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ "، قَالَ: وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: " الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ "
    (1967)- [2099] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: " كَانَ هَاهُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ: نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاشْتَرَى تِلْكَ الْإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ، فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الْإِبِلَ، فَقَالَ: مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قَالَ: مِنْ شَيْخٍ، كَذَا، وَكَذَا، فَقَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ، وَاللَّهِ ابْنُ عُمَرَ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ: إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا وَلَمْ يَعْرِفْكَ، قَالَ: فَاسْتَقْهَا، قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا، فَقَالَ: دَعْهَا رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) : لَا عَدْوَى"، سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا
    (5343)- [5757] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ: " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ "
    فهذه الروايات معا هي ما أوحت لي بالخلاصة الآتية:

    بدأت رواية قصة الإعرابي عن أبوزرعه عن المجهول الذي وضعها لتعضيد مذهبه ثم دلسها أبوهريرة فرواها عنه أبوسلمة و سنان ثم إنتشرت عبر تلميذهما الزهري، ثم تراجع عنها أبوهريرة ربما بعدما عرف أنها غير صحيحة ! في هذا الوقت إنتشرت هذه الرواية كالنار في الهشيم في خضم الصراع الفكري بالعراق حينها حول مسألة القدر و خلق الأفعال، و لإنتشارها إختلطت مع رواية الطيرة و الفأل و حديث الشؤم المفترى لتنتج تنويعات عديدة جدا و تخلق لنفسها عبر الزمن 582 سندا !! ثلثها فقط صحيح الإسناد !! إختيار البخاري للرواية المشككة في رواية أبوهريرة لها جاء لموقفه من قضية خلق أعمال العباد التي إضطهد بسببها لإتخاذه موقفا غير أرثوذكسي و إضطر لإيرادها حتى لا يتهم في دينه، و لكنه إختار الرواية التي تعكس عدم رضاه عنها مع الروايات المفسره لها كما رأينا سابقا !!

    أخيرا يتبقى لنا تفسير موقف ابن عمر من مسألة "لا عدوى"، فعلى الرغم من أن تفسيرها بـ "لا ظلم" كما أورد ابن حجر يبدو منطقيا إلا أن تفسيرها بالعدوى المعروفة قد يكون مبررا أيضا حسب التأويل الآتي، ورد في سنن أبي داود:
    (3416)- [3913] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ، وَزَيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: " لَا غُولَ "، قَالَ أَبُو دَاوُد: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ، أَخْبَرَكُمْ أَشْهَبُ، قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ قَوْلِهِ: لَا صَفَرَ، قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُحِلُّونَ صَفَرَ يُحِلُّونَهُ عَامًا، وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، فَقَالَ النَّبِيُّ (ص) : لَا صَفَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قال: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ، قَوْلُهُ هَامَ، قَالَ: كَانَت الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ، فَيُدْفَنُ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هَامَةٌ، قُلْتُ: فَقَوْلُهُ " صَفَرَ " قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَشْئِمُونَ بِصَفَرَ، فَقَالَ [ ج 2 : ص 659 ] النَّبِيُّ (ص) : " لَا صَفَرَ "، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ سَمِعْنَا مَنْ يَقُولُ هُوَ وَجَعٌ يَأْخُذُ فِي الْبَطْنِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ هُوَ يُعْدِي، فَقَالَ: " لَا صَفَرَ "
    فإذا قرأنا هذا مع ما ورد في مسند ابن جعد: "(2687)- [3064] حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : "لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ "
    فيمكن القول بأن النبي الكريم قد نفى أن يكون مرض الإبل بالهيم معديا للإنسان بمرض الصفر (فليست كل أمراض الحيوان معدية للإنسان بل أقلها القليل) و يكون ابن عمر قد تذكر هذا الأمر خصوصا أن جزع نواس كان من إصابة ابن عمر بالمرض من الإبل و إلا فإن جرب الإبل ظاهر عليها و لا يحتاج لأن يكشفه نواس لإبن عمر !! و بهذا تكون هذه المصادفات التاريخية مع الصراعات المذهبية مقرونة مع رغبة الدفاع عن كل الموروث الحديثي رغم تناقضه هو ما أوصلنا للوضع الحالي الذي يبرر فيه لعدم وجود العدوى مع وجود أحاديث صريحة بوجودها !!
    و الله أعلم

السبت، 29 مارس 2014

القرآن بين النحو و علم الأعصاب .. جدلية غائبة

من حين لآخر تثار مسألة مفارقة بعض آي القرآن الكريم
للمتعارف عليه من قواعد نحوية
و الموضوع قديم و شائك ..
لكنه مثل الكثير من القضايا الهامة
متدثر ببطون الكتب التي قتلته بحثا و دراسه
و لم ينجح في الخروج لتشكيل الوعي العام ..

أزعم أن لكل مثال عن خطأ نحوي مزعوم بالقرآن
ردا رصينا مسبوك الصنعة و وافر العلم
و لكن في رأيي أن مشكلة هذه الطريقة في الرد
هي إستغلاقها تجاه المتابع العادي و لو كان ذكيا فطنا
فمتابعة نقاشات نحوية متخصصة تحتاج لمران باللغة يفتقده الأغلبية
لذا تكون النتيجة عادة هي إقتناع المقتنع بصحة القرآن
دون أن يعرف حقا التعليل لذلك !!
و إنكار المنكر لصحة القرآن لما يراه مجرد ألاعيب لغوية
دون أن يستطيع إنتقادها فعلا !!

أقترح هنا مدخلا منهجيا بسيطا يصلح لمخاطبة قطاع واسع من الناس
و يعتمد على الحس الباده و السيكولوجي و حقائق التاريخ و اللغة
نستعمله لمناقشة هذه القضية عبر منظور مختلف تماما ..

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم: " أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَا أَعْرَبُ الْعَرَبِ، وَلَدَتْنِي قُرَيْشٌ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَنَّى يَأْتِينِي اللَّحْنُ "
المعجم الكبير للطبراني


بدئا سيكون النقاش بعيدا عن حقيقة أن القرآن الكريم كتاب منزل من الله عز و جل
سنتعامل معه هنا كنص تاريخي بحت لنرى إمكانية إحتوائه على أخطاء نحوية
و المدهش في الأمر أن نزع القداسة عن النقاش لا يقلل في شيء نتيجة أنه خال من الخطأ !!

التاريخ يخبرنا أن الرسول الكريم كان من أشراف قريش
و كعادة نبلائها تربى في البادية ليستقيم لسانه بلا عوج
(
قصة مرضعته حليمه السعدية معروفة بكتب السيرة)

فإن كان القرآن الكريم قد أتى به الرسول القرشي الفصيح
فكيف يتأتى أن يدخله اللحن (الخطأ النحوي) ؟؟
كيف يعقل أن يخطيء قرشي نبيل في لغته الأم
أخطائا يلاحظها من لا حظ له من اللغة إلا تعلما فطيرا بعصرنا هذا ؟؟

من وجهة نظر سايكولوجية و تاريخية
نجد أنه من المستحيل أن يقع الرسول الكريم
في أخطاء نحوية فجة، فقط بهذا المنطق البسيط !!


و لنتقدم خطوة أخرى للأمام ..

إذا إقتنعنا بإستحالة صدور الخطأ النحوي من القرشي الرسول الكريم
يتبقى لنا إفتراض أن اللحن قد دخل في القرآن عبر النقل

و لكن الظروف التاريخية التي توفرت في جمع و نقل القرآن الكريم عبر العصور
تؤكد أن ما بأيدينا اليوم هو نفسه ما قاله النبي الكريم قبل 14 قرنا من الزمان !!

جمع القرآن على عهد الرسول (ص) و صحابته الكرام مما ينفي مشاكل الإنفصال بين النزول و التسجيل:
كان عدد كبير من الصحابه يحفظون القرآن و يراجعهم النبي الكريم نفسه في حفظهم،
رافق هذا كتابة للآيات حين نزولها بإشراف مباشر من الرسول الكريم
و حين جمع المصحف الأول على عهد أبي بكر الصديق كان ذلك تحت إشراف كاتب الوحي زيد بن ثابت
و بمعونة الصحابة و شهادتهم في كل آية ..
تكرر نفس الأمر في زمن عثمان بن عفان حيث شهد الصحابة نسخ المصحف و توزيعه في الأمصار المختلفة ..
الشاهد في الأمر أن هؤلاء العرب القرشيين و الأنصار لا يمكن كذلك أن يخطئوا نحويا في القرآن فيغيروا منه شيئا
لأنهم حفظوه على عهد النبي و يشاركونه نفس الحس اللغوي السليم.

-
القرآن نقل سماعا بتواتر عبر العصور لذا لا يمكن وقوع مشاكل كالتصحيف:
المستند الأساسي في حفظ القرآن الكريم هو السماع و الحفظ عبر الصدور من جيل لآخر ..
هذه الحقيقة الأساسية تغيب عن الكثيرين !!
..
فالقرآن ليس كأي وثيقة تاريخية آخرى نقلت بالحفظ الكتابي لها،
بل هو الكتاب الوحيد التاريخي محفوظ الأصوات بالسماع !!
لذا لا يمكن أن يلحن فيه بخطأ كتابي في المصحف
لأن تواتره جاء عبر أجيال المقرئين سماعا عبر العصور،
هناك حجة غبية منتشرة تقول بتدخل الحجاج بن يوسف الثقفي بتغيير المصحف
حين أضاف النقط و التشكيل له، و كأنما كانت قراءة القرآن و نقله حينها معتمدة على المصحف الكتابي فقط !!

إذن ..
لماذا يتعارض بعض آي القرآن ظاهريا مع قواعد النحو العربي التي نعرفها ؟؟
مادامت تلك الآيات جاءت على لسان فصحاء العرب و نبلائهم بلا تغيير عبر الزمن ..
لماذا إذن يتعارض كلامهم مع النحو اللاحق لهم ؟؟

في المخيلة الشعبية أن العرب جميعهم زمن نزول الإسلام كانوا يتحدثون لغة واحدة موحدة
عزز ذلك في الأذهان المسلسلات التاريخية التي يتكلم فيها الكل بطريقة كتب التراث !!
و لكن ..

في الحقيقة كانت للعرب بالمناطق المختلفة لهجات مختلفة
تختلف في الألفاظ و أحيانا بنيويا في النحو و الإعراب !!
شيء أشبه بإختلاف اللهجات العامية اليوم ..

كانت لغة قريش لموقعها التجاري و سلطتها الأدبية
تنتخب الأفصح و الأجمل من لهجات العرب
لتصاغ لهجة فريدة بها من كل اللهجات نصيب
و كان الكل يتفاهمون بلا مشقة وبلا أن يخطيء أحدهم الآخر
فـ إنّ لم تكن تنصب مبتدأها في لهجة الحجاز مثلا
و لم يؤد هذا لإعتبار الحجازيين مخطئين !!

هذه الحقائق التاريخية شكلت معضلة كبرى للنحويين
الذين جاءوا بعد أكثر من 100 سنة على الرسالة المحمدية
فكيف يمكن تقعيد الإنتظامات اللغوية في نظرية واحدة
بينما اللغات العربية القديمة تختلف كثيرا فيما بينها
و تقف على قدم المساواة في الصحة عند مستخدميها الأصليين ؟؟

تم إختيار لغة قريش و البحث عن اللسان القويم بالبادية
و ذلك لتقعيد نظام النحو الذي كانت أقوى دوافعه هي
الحفاظ على القرآن الكريم و لغته من اللحن و الخطأ ..

من يراجع كتب النحو القديمة و تاريخ هذا العلم
سيجد أنها ممتلئة بما أسموه : شواذا لغوية !!
و هي في الحقيقة أمثلة من اللغة الحية المستقرءة
تخالف غيرها مما تم البناء عليه لقاعدة معينة !!
و سميت بالشواذ و ليس بالخطأ لسبب وجيه :
أن أساس علم النحو يقوم على الإستقراء لللغة الحية
و ما يعتبر صحيحا عند أهلها تبنى عليه القواعد و ليس العكس !!

لذا يقول المنطق البسيط أن القرآن الكريم بصفته أقدم نص مسموع
(
بمعنى أنه منضبط الصياغة و منقول بالتواتر)
يحكم على قواعد النحو المعتمده على الإستقراء و ليس العكس

لأنه يمثل الفصاحة اللغوية في عهد التنزيل
بينما تشير شواهد النحو للغة بادية مر عليها زمان
إضمحلت فيه تنوعات اللغات العربية القديمة و ثرائها

و لكن ..
ما السبب في وجود هذه الشواذ ؟؟
بل ما السبب في تعدد اللغات العربية القديمة أصلا ؟؟
و لماذا تختلف قواعديا فيما بينها ما دامت تعبر عن نفس المجال اللغوي للعرب حينئذ ؟؟

بل لماذا تتعدد اللغات أصلا و تختلف فيما بينها بهذا القدر ؟؟
لماذا تموت اللغات و تتفرع عن بعضها في شكل عوائل ؟؟
هل هناك لغات نقية لها قواعد صارمة بلا شواذ بتاتا ؟؟

الآن أود مفارقة المعروف و المستدل عليه مما سبق ذكره
لأقدم رؤيتي الخاصة في إجابة الأسئلة الأخيرة ..
فبالنسبة لي ماهو قائم على الإستقراء ليس من العلم في شيء !!
فالعلم الذي يستحق هذه التسمية هو معرفة الأسباب الحقيقية للإنتظامات
التي يكشفها الإستقراء البسيط و يفسر في نفس الوقت
أي شواذ نجدها بذلك الإستقراء نفسه !!

و لأدلف لجوهر فكرتي

هل النحو علم مضبوط SCIENCE
و ما هي الأسس العميقة للقواعد النحوية بالضبط ؟؟

كثيرا ما فكرت في مسألة المعيار في علوم اللغة و مقارنتها بالعلوم الطبيعية المضبوطة ..
و هذا لا ينطلق من فراغ .. لأنني أعتقد جازما بأن تسميتها بالعلوم ماهو إلا من باب التجاوز ليس إلا ..فهي مثل علم النفس و الإجتماع و السياسة مجرد تنظيرات بشرية لا يحكمها ضابط موضوعي ..
فمبررها يكمن في وظيفتها لا في حقيقتها ..
 ..
فمثلا : الإملاء وظيفته جسر بين الكتابة و النطق ..
و لو أن الناس إتفقت على رسم معين ليوافق صوت معين لكفى !!
القواعد التي بين أيدينا هذه وضعها بشر بإستقراء ناقص لللغة و غير علمي بتاتا !!

لماذا أقول ذلك ؟ حسناً
لأن اللغة كظاهرة تجد أصلها العلمي في كونها نتاج للجهاز العصبي ..
و هذا جهاز حوسبي إحتمالي في جوهره ..
و لا يعمل وفق القواعد الجامدة ( الخوارزميات(
و لإضاءة هذه الجزئية أذكر تجربة أجريت لشبكة عصبية إصطناعية
عُلِّمت أن تربط بين صيغة الـ Past و الـ Past Participle لأفعال كثيرة ..
و حدثت بها ظاهرة التعلم تماما كالشبكة العصبية الحية (الدماغ(
و وجدوا أنها تنتج نفس الأخطاء و تمر بنفس منحنى التعلم الخاص بطفل صغير !!!
و الخلاصة من التجارب كانت أن تعلم اللغة لا يتم عبر إستبطان قواعدها ..
بل إن هذه القواعد ذاتها ما هي إلا تمثيل ناقص لسيرورة اللغة نفسها كما تنتج من الجهاز العصبي ..
...
طبيعة اللغة الحية هذه هي السبب في قوتها و تطورها و تحولها عبر الزمن للغات مختلفة أخرى ..
و محاولات حبسها في قواعد مستنبطة من إستقراء لحظة معينة من الإستعمال اللغوي جهد ضائع ..

...

و تبقى حقيقة أن اللغة مشروطة عصبيا ( الدماغ) شيئا بديهيا كما أرى ..
لذا يجب النظر لنحوها و بلاغتها و فهمها و إنتاجها من ناحية الآليات العصبية لذلك ..
إن أردنا حقا الوصول للحقيقة بشأنها .. بدلا عن التنظير لها بمعزل عن منشئها Origin

...

و لنقدم مرافعة أخرى حول معارضتي للقواعد اللغوية الجامدة ..
إستنادا على الطبيعة البيولوجية لللغة ..

و إسمحوا لي أولا بعقد مقارنة بسيطة من تاريخ الفيزياء ..

فبفيزياء نيوتن كان لكل جسم مسار محدد و موضوعي ..
يمكن حسابه حتى أدق التفاصيل و التنبؤ به مسبقا ..
و تسود الحتمية في ميكانيكا حركة الأجسام ..

أما بالفيزياء الحديثة ( ميكانيكا الكم  مثلا) ..
فتسود العلاقات الإحتمالية ..
و لا يمكن التنبؤ الدقيق بموقع و سرعة الجسيم معا إطلاقا ..
و كل ما هناك هو تنبؤ بالمواقع المحتملة حسب درجات الإحتمال المختلفة ..

و ما علاقة ما سبق باللغة و قواعدها و إملائها ؟؟
حسنا ..
أزعم أن المرحلة الحالية في دراسة اللغة تشبه تلك المرحلة الغابرة بالفيزياء ..
حيث يسود وهم أن لللغة حتمية ما ..
تبيح وضع قواعد صارمة للصحيح و الخطأ ..
و ذلك بسبب عدم التعمق في إصولها البيولوجية/الفيزيائية بعد ..

و ما خلصت إليه تأملاتي هو الآتي :
أن طبيعة ما نسميه خطأ في اللغة ..
هو بالحقيقة أحد أهم مميزاتها المقصودة بيولوجيا ( الناتجة عن طبيعتها البيولوجية(
فمن المعروف أن الشبكات العصبية ( و هي الأساس النظري لعمل الدماغ(
إحتمالية الطابع و تمتاز بعشوائية شديدة في عملها !!
و أزعم أن هذا هو السبب الرئيسي في تطور اللغات من لغات سابقة عليها ( اللاتينية/الإنجليزية مثلا) .. فلو كانت اللغة ناجمة عن إستبطان لمجموعة قواعد صارمة لما تغيرت عبر الزمان بما يكفي لنشوء لغة جديدة ..و لا يخفى دور هذا التطور اللغوي في التكيف و البقاء للمجموعات البشرية المختلفة ..

و تضامين هذه النظرة ..
حين نجمعها مع فكرة أن طبيعة عمل الشبكات العصبية لا تعتمد على الخوارزميات ..
)
أي لا تعتمد على قواعد واضحة أو برنامج محدد لإنجاز عملها في إنتاج اللغة(
تؤدي للقول بأن التمايزات التي توصم بالخطأ ..
بسبب من صناعة منهج قواعد ما بتاريخ اللغة ( حين يتحضر شعبها)
ما هي إلا لحظات مهمة من المجال الإحصائي الطبيعي لللغة الصحيح تماما رغم تناقضه الظاهري ..
فالتطور الثقافي للمجموعة البشرية يستصفي من هذه "الأخطاء" بالممارسة اليومية ماهو مناسب له ..
ليصبح بعد حين هو المعيار الحاكم .. لحين الإطاحة به من جديد .. في مسلسل التكيف المستمر ..
و هكذا حتى نصل للغة جديدة تماما ..


و لو كانت نظرية اللغة الأم التي تفرعت عنها كل اللغات صحيحة كما أعتقد
لأدركنا كم هي قوية هذه الآلية الإحتمالية !!
فعبرها نتجت لغات تبدو لأول وهلة صاعقة الإختلاف قواعديا و إملائيا ..

النقاط الجوهرية فيما سلف هي :
-
النحو جزء من بنية اللغة كعامل ضامن لتوصيل المعنى المراد بين المخاطبين لا أكثر
-
بطبيعة الشبكات العصبية و منطقها اللاقواعدي توجد درجات مما نعتبره نحن خطئا نحويا
تعتبر تنوعات طبيعية و مقبولة و لا تخل بالتواصل (وظيفة النحو الأساسية(
-
هذه التنوعات يتم إنتخابها حسب المجموعات البشرية التي تتبناها
و مع مرور الزمن و الإنعزال بين المجموعات تتطور لتصبح لهجات مختلفة
ثم لغات مختلفة كثيرا عن بعضها في قادم الأزمان ..
-
أي محاولة لتقعيد نحو لغة ما لن يكون سوى تجميد للحظة متحركة من الإستعمال الحي لتلك اللغة
و لن ينجح أي نحو في وضع قواعد صارمة لكامل الثراء اللغوي القائم على الشبكات العصبية بمنطقها الإحتمالي
-
علينا أن ننظر للصحة النحوية في إطار أوسع يتعلق بالإستعمال اللغوي و قدرة التواصل و البلاغة
و ربما حقق الشعر الحديث خطوة في طريق أنسنة النحو من جديد

المتابعون