السبت، 29 مارس 2014

القرآن بين النحو و علم الأعصاب .. جدلية غائبة

من حين لآخر تثار مسألة مفارقة بعض آي القرآن الكريم
للمتعارف عليه من قواعد نحوية
و الموضوع قديم و شائك ..
لكنه مثل الكثير من القضايا الهامة
متدثر ببطون الكتب التي قتلته بحثا و دراسه
و لم ينجح في الخروج لتشكيل الوعي العام ..

أزعم أن لكل مثال عن خطأ نحوي مزعوم بالقرآن
ردا رصينا مسبوك الصنعة و وافر العلم
و لكن في رأيي أن مشكلة هذه الطريقة في الرد
هي إستغلاقها تجاه المتابع العادي و لو كان ذكيا فطنا
فمتابعة نقاشات نحوية متخصصة تحتاج لمران باللغة يفتقده الأغلبية
لذا تكون النتيجة عادة هي إقتناع المقتنع بصحة القرآن
دون أن يعرف حقا التعليل لذلك !!
و إنكار المنكر لصحة القرآن لما يراه مجرد ألاعيب لغوية
دون أن يستطيع إنتقادها فعلا !!

أقترح هنا مدخلا منهجيا بسيطا يصلح لمخاطبة قطاع واسع من الناس
و يعتمد على الحس الباده و السيكولوجي و حقائق التاريخ و اللغة
نستعمله لمناقشة هذه القضية عبر منظور مختلف تماما ..

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم: " أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَا أَعْرَبُ الْعَرَبِ، وَلَدَتْنِي قُرَيْشٌ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَنَّى يَأْتِينِي اللَّحْنُ "
المعجم الكبير للطبراني


بدئا سيكون النقاش بعيدا عن حقيقة أن القرآن الكريم كتاب منزل من الله عز و جل
سنتعامل معه هنا كنص تاريخي بحت لنرى إمكانية إحتوائه على أخطاء نحوية
و المدهش في الأمر أن نزع القداسة عن النقاش لا يقلل في شيء نتيجة أنه خال من الخطأ !!

التاريخ يخبرنا أن الرسول الكريم كان من أشراف قريش
و كعادة نبلائها تربى في البادية ليستقيم لسانه بلا عوج
(
قصة مرضعته حليمه السعدية معروفة بكتب السيرة)

فإن كان القرآن الكريم قد أتى به الرسول القرشي الفصيح
فكيف يتأتى أن يدخله اللحن (الخطأ النحوي) ؟؟
كيف يعقل أن يخطيء قرشي نبيل في لغته الأم
أخطائا يلاحظها من لا حظ له من اللغة إلا تعلما فطيرا بعصرنا هذا ؟؟

من وجهة نظر سايكولوجية و تاريخية
نجد أنه من المستحيل أن يقع الرسول الكريم
في أخطاء نحوية فجة، فقط بهذا المنطق البسيط !!


و لنتقدم خطوة أخرى للأمام ..

إذا إقتنعنا بإستحالة صدور الخطأ النحوي من القرشي الرسول الكريم
يتبقى لنا إفتراض أن اللحن قد دخل في القرآن عبر النقل

و لكن الظروف التاريخية التي توفرت في جمع و نقل القرآن الكريم عبر العصور
تؤكد أن ما بأيدينا اليوم هو نفسه ما قاله النبي الكريم قبل 14 قرنا من الزمان !!

جمع القرآن على عهد الرسول (ص) و صحابته الكرام مما ينفي مشاكل الإنفصال بين النزول و التسجيل:
كان عدد كبير من الصحابه يحفظون القرآن و يراجعهم النبي الكريم نفسه في حفظهم،
رافق هذا كتابة للآيات حين نزولها بإشراف مباشر من الرسول الكريم
و حين جمع المصحف الأول على عهد أبي بكر الصديق كان ذلك تحت إشراف كاتب الوحي زيد بن ثابت
و بمعونة الصحابة و شهادتهم في كل آية ..
تكرر نفس الأمر في زمن عثمان بن عفان حيث شهد الصحابة نسخ المصحف و توزيعه في الأمصار المختلفة ..
الشاهد في الأمر أن هؤلاء العرب القرشيين و الأنصار لا يمكن كذلك أن يخطئوا نحويا في القرآن فيغيروا منه شيئا
لأنهم حفظوه على عهد النبي و يشاركونه نفس الحس اللغوي السليم.

-
القرآن نقل سماعا بتواتر عبر العصور لذا لا يمكن وقوع مشاكل كالتصحيف:
المستند الأساسي في حفظ القرآن الكريم هو السماع و الحفظ عبر الصدور من جيل لآخر ..
هذه الحقيقة الأساسية تغيب عن الكثيرين !!
..
فالقرآن ليس كأي وثيقة تاريخية آخرى نقلت بالحفظ الكتابي لها،
بل هو الكتاب الوحيد التاريخي محفوظ الأصوات بالسماع !!
لذا لا يمكن أن يلحن فيه بخطأ كتابي في المصحف
لأن تواتره جاء عبر أجيال المقرئين سماعا عبر العصور،
هناك حجة غبية منتشرة تقول بتدخل الحجاج بن يوسف الثقفي بتغيير المصحف
حين أضاف النقط و التشكيل له، و كأنما كانت قراءة القرآن و نقله حينها معتمدة على المصحف الكتابي فقط !!

إذن ..
لماذا يتعارض بعض آي القرآن ظاهريا مع قواعد النحو العربي التي نعرفها ؟؟
مادامت تلك الآيات جاءت على لسان فصحاء العرب و نبلائهم بلا تغيير عبر الزمن ..
لماذا إذن يتعارض كلامهم مع النحو اللاحق لهم ؟؟

في المخيلة الشعبية أن العرب جميعهم زمن نزول الإسلام كانوا يتحدثون لغة واحدة موحدة
عزز ذلك في الأذهان المسلسلات التاريخية التي يتكلم فيها الكل بطريقة كتب التراث !!
و لكن ..

في الحقيقة كانت للعرب بالمناطق المختلفة لهجات مختلفة
تختلف في الألفاظ و أحيانا بنيويا في النحو و الإعراب !!
شيء أشبه بإختلاف اللهجات العامية اليوم ..

كانت لغة قريش لموقعها التجاري و سلطتها الأدبية
تنتخب الأفصح و الأجمل من لهجات العرب
لتصاغ لهجة فريدة بها من كل اللهجات نصيب
و كان الكل يتفاهمون بلا مشقة وبلا أن يخطيء أحدهم الآخر
فـ إنّ لم تكن تنصب مبتدأها في لهجة الحجاز مثلا
و لم يؤد هذا لإعتبار الحجازيين مخطئين !!

هذه الحقائق التاريخية شكلت معضلة كبرى للنحويين
الذين جاءوا بعد أكثر من 100 سنة على الرسالة المحمدية
فكيف يمكن تقعيد الإنتظامات اللغوية في نظرية واحدة
بينما اللغات العربية القديمة تختلف كثيرا فيما بينها
و تقف على قدم المساواة في الصحة عند مستخدميها الأصليين ؟؟

تم إختيار لغة قريش و البحث عن اللسان القويم بالبادية
و ذلك لتقعيد نظام النحو الذي كانت أقوى دوافعه هي
الحفاظ على القرآن الكريم و لغته من اللحن و الخطأ ..

من يراجع كتب النحو القديمة و تاريخ هذا العلم
سيجد أنها ممتلئة بما أسموه : شواذا لغوية !!
و هي في الحقيقة أمثلة من اللغة الحية المستقرءة
تخالف غيرها مما تم البناء عليه لقاعدة معينة !!
و سميت بالشواذ و ليس بالخطأ لسبب وجيه :
أن أساس علم النحو يقوم على الإستقراء لللغة الحية
و ما يعتبر صحيحا عند أهلها تبنى عليه القواعد و ليس العكس !!

لذا يقول المنطق البسيط أن القرآن الكريم بصفته أقدم نص مسموع
(
بمعنى أنه منضبط الصياغة و منقول بالتواتر)
يحكم على قواعد النحو المعتمده على الإستقراء و ليس العكس

لأنه يمثل الفصاحة اللغوية في عهد التنزيل
بينما تشير شواهد النحو للغة بادية مر عليها زمان
إضمحلت فيه تنوعات اللغات العربية القديمة و ثرائها

و لكن ..
ما السبب في وجود هذه الشواذ ؟؟
بل ما السبب في تعدد اللغات العربية القديمة أصلا ؟؟
و لماذا تختلف قواعديا فيما بينها ما دامت تعبر عن نفس المجال اللغوي للعرب حينئذ ؟؟

بل لماذا تتعدد اللغات أصلا و تختلف فيما بينها بهذا القدر ؟؟
لماذا تموت اللغات و تتفرع عن بعضها في شكل عوائل ؟؟
هل هناك لغات نقية لها قواعد صارمة بلا شواذ بتاتا ؟؟

الآن أود مفارقة المعروف و المستدل عليه مما سبق ذكره
لأقدم رؤيتي الخاصة في إجابة الأسئلة الأخيرة ..
فبالنسبة لي ماهو قائم على الإستقراء ليس من العلم في شيء !!
فالعلم الذي يستحق هذه التسمية هو معرفة الأسباب الحقيقية للإنتظامات
التي يكشفها الإستقراء البسيط و يفسر في نفس الوقت
أي شواذ نجدها بذلك الإستقراء نفسه !!

و لأدلف لجوهر فكرتي

هل النحو علم مضبوط SCIENCE
و ما هي الأسس العميقة للقواعد النحوية بالضبط ؟؟

كثيرا ما فكرت في مسألة المعيار في علوم اللغة و مقارنتها بالعلوم الطبيعية المضبوطة ..
و هذا لا ينطلق من فراغ .. لأنني أعتقد جازما بأن تسميتها بالعلوم ماهو إلا من باب التجاوز ليس إلا ..فهي مثل علم النفس و الإجتماع و السياسة مجرد تنظيرات بشرية لا يحكمها ضابط موضوعي ..
فمبررها يكمن في وظيفتها لا في حقيقتها ..
 ..
فمثلا : الإملاء وظيفته جسر بين الكتابة و النطق ..
و لو أن الناس إتفقت على رسم معين ليوافق صوت معين لكفى !!
القواعد التي بين أيدينا هذه وضعها بشر بإستقراء ناقص لللغة و غير علمي بتاتا !!

لماذا أقول ذلك ؟ حسناً
لأن اللغة كظاهرة تجد أصلها العلمي في كونها نتاج للجهاز العصبي ..
و هذا جهاز حوسبي إحتمالي في جوهره ..
و لا يعمل وفق القواعد الجامدة ( الخوارزميات(
و لإضاءة هذه الجزئية أذكر تجربة أجريت لشبكة عصبية إصطناعية
عُلِّمت أن تربط بين صيغة الـ Past و الـ Past Participle لأفعال كثيرة ..
و حدثت بها ظاهرة التعلم تماما كالشبكة العصبية الحية (الدماغ(
و وجدوا أنها تنتج نفس الأخطاء و تمر بنفس منحنى التعلم الخاص بطفل صغير !!!
و الخلاصة من التجارب كانت أن تعلم اللغة لا يتم عبر إستبطان قواعدها ..
بل إن هذه القواعد ذاتها ما هي إلا تمثيل ناقص لسيرورة اللغة نفسها كما تنتج من الجهاز العصبي ..
...
طبيعة اللغة الحية هذه هي السبب في قوتها و تطورها و تحولها عبر الزمن للغات مختلفة أخرى ..
و محاولات حبسها في قواعد مستنبطة من إستقراء لحظة معينة من الإستعمال اللغوي جهد ضائع ..

...

و تبقى حقيقة أن اللغة مشروطة عصبيا ( الدماغ) شيئا بديهيا كما أرى ..
لذا يجب النظر لنحوها و بلاغتها و فهمها و إنتاجها من ناحية الآليات العصبية لذلك ..
إن أردنا حقا الوصول للحقيقة بشأنها .. بدلا عن التنظير لها بمعزل عن منشئها Origin

...

و لنقدم مرافعة أخرى حول معارضتي للقواعد اللغوية الجامدة ..
إستنادا على الطبيعة البيولوجية لللغة ..

و إسمحوا لي أولا بعقد مقارنة بسيطة من تاريخ الفيزياء ..

فبفيزياء نيوتن كان لكل جسم مسار محدد و موضوعي ..
يمكن حسابه حتى أدق التفاصيل و التنبؤ به مسبقا ..
و تسود الحتمية في ميكانيكا حركة الأجسام ..

أما بالفيزياء الحديثة ( ميكانيكا الكم  مثلا) ..
فتسود العلاقات الإحتمالية ..
و لا يمكن التنبؤ الدقيق بموقع و سرعة الجسيم معا إطلاقا ..
و كل ما هناك هو تنبؤ بالمواقع المحتملة حسب درجات الإحتمال المختلفة ..

و ما علاقة ما سبق باللغة و قواعدها و إملائها ؟؟
حسنا ..
أزعم أن المرحلة الحالية في دراسة اللغة تشبه تلك المرحلة الغابرة بالفيزياء ..
حيث يسود وهم أن لللغة حتمية ما ..
تبيح وضع قواعد صارمة للصحيح و الخطأ ..
و ذلك بسبب عدم التعمق في إصولها البيولوجية/الفيزيائية بعد ..

و ما خلصت إليه تأملاتي هو الآتي :
أن طبيعة ما نسميه خطأ في اللغة ..
هو بالحقيقة أحد أهم مميزاتها المقصودة بيولوجيا ( الناتجة عن طبيعتها البيولوجية(
فمن المعروف أن الشبكات العصبية ( و هي الأساس النظري لعمل الدماغ(
إحتمالية الطابع و تمتاز بعشوائية شديدة في عملها !!
و أزعم أن هذا هو السبب الرئيسي في تطور اللغات من لغات سابقة عليها ( اللاتينية/الإنجليزية مثلا) .. فلو كانت اللغة ناجمة عن إستبطان لمجموعة قواعد صارمة لما تغيرت عبر الزمان بما يكفي لنشوء لغة جديدة ..و لا يخفى دور هذا التطور اللغوي في التكيف و البقاء للمجموعات البشرية المختلفة ..

و تضامين هذه النظرة ..
حين نجمعها مع فكرة أن طبيعة عمل الشبكات العصبية لا تعتمد على الخوارزميات ..
)
أي لا تعتمد على قواعد واضحة أو برنامج محدد لإنجاز عملها في إنتاج اللغة(
تؤدي للقول بأن التمايزات التي توصم بالخطأ ..
بسبب من صناعة منهج قواعد ما بتاريخ اللغة ( حين يتحضر شعبها)
ما هي إلا لحظات مهمة من المجال الإحصائي الطبيعي لللغة الصحيح تماما رغم تناقضه الظاهري ..
فالتطور الثقافي للمجموعة البشرية يستصفي من هذه "الأخطاء" بالممارسة اليومية ماهو مناسب له ..
ليصبح بعد حين هو المعيار الحاكم .. لحين الإطاحة به من جديد .. في مسلسل التكيف المستمر ..
و هكذا حتى نصل للغة جديدة تماما ..


و لو كانت نظرية اللغة الأم التي تفرعت عنها كل اللغات صحيحة كما أعتقد
لأدركنا كم هي قوية هذه الآلية الإحتمالية !!
فعبرها نتجت لغات تبدو لأول وهلة صاعقة الإختلاف قواعديا و إملائيا ..

النقاط الجوهرية فيما سلف هي :
-
النحو جزء من بنية اللغة كعامل ضامن لتوصيل المعنى المراد بين المخاطبين لا أكثر
-
بطبيعة الشبكات العصبية و منطقها اللاقواعدي توجد درجات مما نعتبره نحن خطئا نحويا
تعتبر تنوعات طبيعية و مقبولة و لا تخل بالتواصل (وظيفة النحو الأساسية(
-
هذه التنوعات يتم إنتخابها حسب المجموعات البشرية التي تتبناها
و مع مرور الزمن و الإنعزال بين المجموعات تتطور لتصبح لهجات مختلفة
ثم لغات مختلفة كثيرا عن بعضها في قادم الأزمان ..
-
أي محاولة لتقعيد نحو لغة ما لن يكون سوى تجميد للحظة متحركة من الإستعمال الحي لتلك اللغة
و لن ينجح أي نحو في وضع قواعد صارمة لكامل الثراء اللغوي القائم على الشبكات العصبية بمنطقها الإحتمالي
-
علينا أن ننظر للصحة النحوية في إطار أوسع يتعلق بالإستعمال اللغوي و قدرة التواصل و البلاغة
و ربما حقق الشعر الحديث خطوة في طريق أنسنة النحو من جديد

هناك تعليقان (2):

  1. أصل الموضوع نقاش في هذا المنتدى
    http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=400&msg=1346263808&page=0&pb=

    ردحذف
  2. جميل جدا، وموفق.. رغم بعض اختلافاتي في طريقة طرح الحجة (خصوصا بعد المناطق في الجزء الأول - التاريخي - من المقال)، إلا أن حجته العامة موفقة وقوية، ومدعومة بنقاط مؤسسة

    هذا علاوة على شيئين:
    1- القرآن ليس موضوعه اللغة، إنما ماعونه اللغة، وهو استخدمها بالصورة التي أدت غرضها تماما، بحيث أن عرب زمان نزوله اعترفوا له بسلاسة وحنكة وجمال لغته.
    2- النحو موضوعه اللغة، وهو خُلق خلقا - أي علم النحو العربي الذي ندرسه اليوم - ليتدارك مخاطر اللحن في القرآن التي أتت مع دخول أقوام جدد بألسنة غير عربية للإسلام.. هذه قصة بداية النحو منذ توجيهات الإمام علي بن أبي طالب لأبي الأسود الدؤلي.. يدور الزمان دورته ليأتي أناس يحاكمون القرآن بقواعد النحو.. محاكمة غير منطقية ولا تاريخانية.

    من الجائز لمن يريد أن ينتقد لغة القرآن، من وجوه شتى، أن ينتقدها، لكن أن يرتكز على قواعد النحو في نقده ذاك، فتلك مشكلة منهجية.

    ردحذف

المتابعون